جان لوئيس بوركهارت

236

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

القاهرة ، ولا تتزوج فتاة في هذه البلاد دون أن تزين حجرتها بمرآة من هذه المرايا . ومنذ استوطن المماليك دنقلة جرت القوافل المصرية على أن تجلب لشندى بعض ما يرتدون كالأقمشة والأحذية وما إليها فيشتريها التجار الدناقلة . وكان الباشا إلى عهد قريب قد حظر التجارة المباشرة بين صعيد مصر ودنقلة ، فكان التجار يؤثرون هذه الطريق الطويلة على التعرض لمصادرة بضاعتهم . ولما نشبت الحرب بين المماليك وعرب الشايقية أرسل المماليك جل نسائهم إلى شندى صونا لهن من مخاطر حرب سجال ، ثم ردوهن بعد ذلك إليهم ، ولكني رأيت بعضهن ما زلن باقيات بالمدينة حين جئتها ، وكن يثرن السخرية بصلفهن وغرورهن . ويستخدم التجار المصريون رؤوس أموال صغيرة جدا في تجارتهم ، ولست أظن أن أحدا منهم تساوى بضاعته أكثر من ألف وخمسمائة ريال إسبانى . وأسرة علوان التي جئت في صحبتها من دراو ، والتي خرج من أفرادها في القافلة نحو اثنى عشر ، هذه الأسرة لم تستثمر في تجرتها هذه أكثر من ألف ريال . وأكثر التجار لا يملك إلا مائتي ريال أو ثلاثمائة ، بل قل أن يكون هذا المبلغ ملكا خالصا لهم ، فهم إما يقترضونه من الصعيد بفائدة باهظة ، وإما يشترون بضاعتهم نسيئة من إسنا أو قنا أو القاهرة . وسبب ذلك أن التجار المصريين المحترمين حقا يربأون بأنفسهم عن الاشتغال بمثل هذه التجارة . والناس - حتى في مصر - ينظرون إلى الرحلة للسودان نظرتهم إلى مغامرة يائسة لا يقتحمها إلا كل مفلس أو مشرف على الإفلاس ، وهم يعدون تجارة الرقيق أو « التسبب في لحم بني آدم » كما يسمونها تجارة خسيسة لا تشرف صاحبها . على أن أهل دراو لا يعدمون من يقرضهم المال ، ولولا انغماسهم في الرذيلة والفجوز ، ولولا تبديدهم أكثر أرباحهم وفي السكر والعربدة ، لاقتنوا من وراء تجارتهم الثروة الطائلة . وهم يقترضون المال في صعيد مصر بفائده تبلغ 50 % في الرحلة طالت أو قصرت ، ويرهنون عادة بيوتهم أو أطيانهم ضمانا لسداد القرض ، كذلك يرفع ثمن ما يشترون في مصر من بضاعة مؤجلة الدفع إلى هذه النسبة ، على أن يتعهدوا بأداء ثمنها حال رجوعهم . ويدرب التجار الدراويون أبناءهم على هذه التجارة منذ نعومة أظفارهم ، وكان في القافلة التي